شتاء وحيد .


هناك رابطه قويه بيني وبين الشتاء ولا أحبذ ان اطرح مبررات حبي لمن يتعجب ويسرد لي قوائمه في كون الشتاء قاسي وليس أهلا للحب ولكن أظن ان لدي اسبابي الداحضه  والوجيهه في عدائي للصيف ربما لأنه يشبهني في كثير من طقوسه وأنا شديدة النفور ممن يشبهني لا أدري لماذا لا استطيع التآلف معه ولا التعامل حتى.

تعرف صديقاتي أنني لا أتحمل حرارة الجو لأن جسدي دائما يغلي من الداخل وأطرافي دافئه فلست بحاجة لإحساس إضافي  بالحراره،وعلاوة على ذلك حرارتي مفيده في بعض الاوقات فهم  يهرعون لطلب الدفء منها كلما داهمتهم نوبة برد او هبوب خريفيه.

وأعرف بدوري لماذا لا احب الصيف رغم ان اسبابي قد تبدو غريبه على البعض إلا اني لا استطيع ان اندمج معه لأنه صاخب بطبعه وعلى الكل ان يتعامل بسعاده مع التغيرات التي تحدث فيه..هناك أمور كثيره تجمعني بالصيف ولكن على كثرتها لم تشابك أوصار قلوبنا  ببعض وعلى عكسه الشتاء يختلف عني في سكونه وقدرته على نبش الجراح برغم كل شتاءاتي التي عشتها هادئه بعيده عن المأسي الا من انها كانت تحمل معها قدر كافي من الصقيع الذي يتركني صباحا في حالة صراع مع أنفي الذي لا يشعر بالدفء أبدا. 


للشتاء طقوسه التي تسحرني وتجعلني مغرمه به؛منظر البخار الذي يتصاعد من أكواب القهوه ويزداد كثافة من شدة البرد،نوافذ السيارات وهي ملبده بالندى،رائحة الحطب والمواقد في صباحِ ممطر..تمرني الشتاءات بطقوسها الآسره والتي تجعلني أغوص في الذاكره ليس لمعاشرة البؤس وإنما ليشعر قلبي أن هناك شيء حي عاشه حتى وإن بدأ بعيدًا الان وقد طمست غبار السنين ملامحه. 

كل شتاء تزور أمي السوق صباحًا لتبتاع لنا كل الجوارب الشتويه لأنه برأي امي اذا لبسنا جوارب ثقيله فلن نشعر بالبرد مطلقاً، تجزم امي أني كلما دفئت قدماي اكثر فلن يصل البرد لسائر جسدي ولكني احيانًا اشعر ببرد يتسلل لجوفي دون ان يوقفونه الحراس بالخارج،يباغتني في قلبي وينشر الرجفه في اطراف المكان رغم أني امتثل لوصايا امي الثلاثه؛ألبس الجوارب واشرب الزنجبيل واقترب من المدفاءه،لعلّه شتاء روحي الذي لا يأبه لخوف الامهات ونصائحهم الذهبيه..


 يطل ليل الشتاء الذي أظنه عدة مواسم من طوله فهو لا يطيق الذهاب دون ان يحفر مخالبه في الزوايا ويترك اثره ولكن رغم ذلك أجدني مغرمة به ربما لانه يُشبع غريزتي في المكوث طويلا وترك الأثر،لدي إغنياتي الخاصه في ليالي الشتاء والتي تُعد جزء هام في طقوس البكاء وكتابة المذكرات أسمع محمد عبده وهو يقول "ولهان أنا ولهان خليتي وقتي إنتظار الليل ماهو ليل ونهاري مو نهار" أسمعها بتصلب شديد وداخلي يهرع للأسئله المرهقه؛ ما هذا الوله الذي يوقف عداد الساعه ويكسر قدسية الوقت والكون؟ 

ما هذا الحب الذي يُبدد بغيابه تلقب الليل والنهار؟

أتسائل بحذر شديد عن هذا الحب الذي يجعلنا تحت رحمة المحبوب وكيف أنه يتحكم بنا،بالوقت،بقيمة الحياه،وأضحك بسخريتي المعتاده والتي لا تتغير مهما نالت ونازلت في الحياه،أنظر لنفسي وهي تتسع بفضل التجارب غير أني كل يوم أعطي قلبي قُبله وأجعله في الحفظ والصون حتى لا يُرهقني بإختياراته.

تعددت شروطي في الحب زادت قوائمي في صفات الشخص الذي سأحبه وكلما كبرت أكثر استشعرت أني لست فتاه تُساق للقدر وتحب هذا القدر إنما هي التي تختاره؛تختاره بعنايه شديده .


في الشتاء مشاعر خاصه به ولا أحد يستطيع فهم هذي الأمزجة التي تُصاحبه وتجسد غالبية المواقف ربما كان علي ان اترك الشعور والتفكير واتعشى ثلاث مرات فقط دون السعي وراء فلسفة كل الامور والإنغماس ببلاهه في عمق المشاهد.

في الشتاء وحده كنت أحرص على إغلاق الابواب والنوافذ حتى لا تجد الهبوب والرياح العاتيه مكانًا للدخول وفي ليله شتويه عارمة البرد باغتتني صديقتي المقربه بغضب غير مفهوم قائله؛اذا كنا في قمة البؤس والإنشغال كيف للحب قدرته على أن يحضر؟ ادركت حينها إدراك حزين ان الحب لا ينتظرنا ان نفتح له الباب ونضيّفه إنما يأتي بخفه شديده ويتسرب من تحت الباب دون ان نقبض عليه وعندما نلاحظه ونبدأ بإتخاذ الاجراءات اللازمه نكون قد تأخرنا كثيرا،كثيرا للحد الذي يجعلنا لا نعرف هل نفرح لذلك ام نحزن لفشل كل الخطط والقوائم التي كتبناها في الماضي. 


 وانا بعد كل هذا الحذر المرضي وهزلي الأبدي من العاشقين،حضر حبك ليراكم اولوياتي ويركن إهتماماتي بشراسة رقيقه لا يقوى المرء على إيقافها ولا يعرف سحر التوغل فيها، عندما أدركت حبكِ صار الكون أرحب واصبح سخطي حيال الاغاني اقل،استوعبت كلماتها شديدة المبالغه،عرفت أن الحب لغز لا نستطيع فهمه ونحن متفرجون في المدرجات..بعيدون عن ارض المعركه واصعب بكثير من أن نختاره بعنايه ودقه متناهيه.

عندما عرفتكِ لا اعرف لماذا صار علي أن أنسى كل ماكان قبلك وأتماهى تدريجيا في عالمك؛أغنياتكِ التي لا تُعجبني بتاتا، وقتكِ الذي تقسمينه بين الأفلام والمسلسلات وممارسة العزله،كرهكِ المهيب لهذا المكان بكل طقوسه وعاداته وشخوصه هكذا كنتي تنسجين عالمكِ حولي بكثير من الحده واللطف في آن واحد وتشرعين شعائرك القلبيه بكل صرامه لا أستطيع مناقشتها رغم ذلك أحبها..

عندما عرفتك أنتبهت أنني أعيش اخيرا وأستشعر الحياه بكل حواسي لا أتجاهل اخر قطرَات في كوب قهوتي مثلما افعل دائما،ولا اتعجل بإنهاء اعمالي الروتينيه والتي تورثني ندبات كثيره وتجرح يداي عندما عرفتك إرتاح كل شيء حولي إبتداءًا من دفتري الذي تعب شخبطاتي السوداويه وانتهاءًا بسريري الذي خارت قواه من فرط تقلبي وآرقي.


 لا شيء يُعرفنا بالنهايات سوى السكوت عنها وانا بثرثرات غاضبة ودعتُكِ كثيرا وكتبت رسائل ختاميه ظنًا مني أنها تُنهي الطريق وماهي الا إشاره لبدء مرحله جديده وعلي لزامًا ان أعرف الطريقه لتجاوزها.

تعرفين أنتِ منذ البدايه أني لا أحسن كتابة النهايات وليس لدي قدره على إغلاق الدفتر،تعرفين أملي الممتد والذي ينمو فيني سريعًا ويُسابق عمري في كل مراحله. 

كل شتاء بعدك سيكون محض هراءات وليس جديرًا بإنتظاري،لن أهتم بفضول لدرجة الحراره حتى أقول لك ألبسي معطفي العنابي فهو الأكثر دفئًا بين ملابسك "بإعتقادي العاطفي فقط"،لن أراقب النافذه بتلهف طفولي واتأمل السماء لأرى ان كانت غائمه مثلما تحبين،واخبرك كم أن المطر يُشبهك في غزارته ونقاءه وكم ان الارض تُشبهني في إحتفالها به.

كل شتاء يأتي يحمل لي بمروره هدايا كثيره وشتاء عمري السادس عشر حملكِ أنتِ،أنتِ  التي لا تعرف عقارب الساعه ولا ترتيب الأشهر بالهجري كان لمجيئكِ  معنى لا يسعني وصفه سوى أنه رتب كل أوقاتي وغمرني بعذوبةِ تشبه الحنيه الدافئه في أيدي الامهات.

عندما يطل الشتاء القادم أخاف ان ألبس قبعاتي الصوفيه دون ان تخبريني كم يتقلص وجهي فيها وقد يبدو شتائي باردًا في الداخل اكثر من إرادتي المعهوده وهوسي الكبير في إستنشاق لسعات البرد ورائحة الحطب..عندما يطل الشتاء القادم لن انتظر المطر حتى أفرح بل سأنتظرك .


ولهان انا ولهان خليتي وقتي إنتظار الليل ماهو ليل ونهاري

 مو نهار"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وحش يروي عني القصص .

أوّل الحب .

المحاميه غدو⚖️.