"المعرِفه الفارسه"
ترنّم الرومي في أخر ماكتب وهو يقول: «لن أموت حتى أعرفك..
قال من يعرفني..لا يموت». من يقصد؟من الذي يُخلِد الأخرين بمعرفته ويقوي جذورهم على الارض؟، أنا هنا
أُصارع فكرة البقاء والخلود وأتجرّع عذابات المستقبل
والحياه كوني فتاة شرقيه لا تعرف الكثير عن ملمس الحياه،
لقد فعلت كل ما بوسعي لأكون الشخص الذي
لا يموت ولا تتوارى آثاره
خلف الرفوف واللوح الأثريه المأنقه،أخوض نزاعات
كثيره بشأني وأستر ضجيجها
عن الماره والعابرين، يؤرق ساكنيني هذا الضجيج
فأفعل ما يُستلزم مني ولازلت أفعل لإخماد كل هذي الإشتعالات.
تنتصر أناي العليّا أحيانا وتؤرقني متطلبات الهو وطفوليتها
الدائمه لتقِف في منتصف هذا العراك أناي البائسه والضاحكة
معًا المليئه بالمواجهه والهروب،أول متاهه خُضتها في حياتي هو سؤال"عرفينا على نفسك"من هي التي تريدون التعرف عليها؟تتصارع التعاريف بداخلي أي نفس يقصدون؟أي نفس أحمِلُها وتعبر عني حقيقةً لا مجازًا أي نفس قد تكون
الواجهه والثابته في خضّم كل الفصول التي عاصرَتها كينونتي،وكل المواني والمحطات التي توقفت عندها قسرًا
عني او إستراحة محارب شقّت عليه الدروب..
بحثت وتجولت بذعر وفضول خافت،لا يريد إرهاق من حوله
حتى شعرت أخيرًا أنه وإن لم أجدُني بعد
يكفيني أنّي مشيت بخُطى تتوسل المعرفه وتتمنى الوصول .
من أكون؟لستُ الواقفه بطرب عندما أسمع محمد عبده يتغنّى"من كل ضد وضد تلقين فيني أهدي حيارى الدرب وأحتار ويني؟"
يُخلِف الكوبليه الموسيقي فيني الكثير من الأسئله
والقليل من الأجوبه لعلي مجموعة إنسان فقط
وبالفعل إحترت فيني..لمَا أجد الدروب تطول حينما
تلمسها قدماي بغرض الحصول على إجابه شافيه
ووافيه تُريحني مشقة الشرح وعناءات التصنيف..
كم كان يربكني صوت دماغي وهمسات قلبي وثرثرات الاخرين
في آن واحد،عندما كنت طفلة لم تجذبني أبدًا العاب البنات كل الذي بحوزتي أغراض ولاديه حسب أقوالهم سيارات،كور،ادوات قتاليه،ولكم كنت أستمتع بتقمص ادوار ذكور المنزل وتقليدهم في المشي والتصرفات،لم يكن لي تقاسيم وملامح عنيفه أوصوت
حاد لم أملك معالم ذكوريه سوى في شعري
الذي لم اتركه يطول يوما لشدة تعبُثي به،عِشتُ طفولتي بعُنفوان التعرف على الحياه لم أُحاول ابدا أن أُعجب أمي
التي تنزَعج كثيرًا من تعليقات الجارات ولم أتوقف قطعًا
عن كوني إبنتها الولده،إبنتها التي خرجت بعجلةٍ للدنيا
ولم تنتظر أيادي الممرضات وغرف الولاده الكئيبه،إبنتها
التي جاءت في حرارة أغسطس أخر ليالي الصيف
وسط صخب الزوارات والسَمر،إبنتها التي
قتلت عصفورها بغير عمد لأنها أرادت إحتضانه..
كبُرت وهي تُنكِر كل ما جاءت به وتهرَع لكل ما يعاكسه،أتذكر
خوف أمي الاول في سلم حياتي،خوفها من إقتنائي دراجة
وكيف أن لا أمل في ترويضها المستمر لأنوثتي الخفيه.
كبرت أكثر تصادمت لدي الاشكال التي أحملُها
ولم يَعُد الطريق سهلاً لأعبره بدراجتي الورديه
فأُصبت بالخوف بدلاً من أمي..خفتت شرارة الذكوره بداخلي
أو ربما إنطفأت تماماً،مزجت الإستفهامات أوردة عقلي وصارت بدلًا من الدم لم تعُد براءة التجربه تُكتشف كالسابق ولا
شغف اللحظة يُعاش بلا تردد حاوطتني المعارف الضبابيه
من كل جهه وغابَ عني يقين الطفوله شيئا فشيئًا..لم يكن
لدي غلاف واضح للحب ولم أكن اعرف ماهيته
كنت أتصوره بعيد عني جدا ولم أتلمسه برقة تشبهه كنت حذرة
ومليئه بلعنة التحذيرات التي تفعل بداخلنا الكثير دون ان نشعر.
لكن أكتَسح الحب حياتي فجأه،شعرت بأن لدي قلب ينبُض رغم اني لا اعرف بروتكولات الحب لأنني لست فتاه سينمائيه
ولا مثقفه لم أشاهد فيلمًا واحدا في حياتي ولم أقرا سوى
كُتب الدراسه،جاء الشعور بالحب سريعًا جدا أسرع من أن
أفحصُه او أسمع عنه في التلفاز او ألقاه في حياة قريباتي
على الأقل إمتلئت الحياه بِفراشات زرقاء لا تهتدي للغابات
الماطره بل تقطُن حياتي وتحركها بلا توقف،كانت اول
خطوه لي في عالم الحُب الباهِظ كم لا بأس به من
القصائد والخيالات اللطيفه،لكن ورغم ذلك الزائر الغريب
الذي يبطء نبضات قلبي ويسرعها لم تختفي شخصيتي
الحيّه والعنيده بأثر الحب كنت أُنكره مراراً وأدُسه في
تجاويفِ دماغي بين الحُلم والخيال لم أعيش حب
أفلاطوني طويل وممل لأنني ظننّت بجهل مدقع
أنه لا يعترف بالحب ويُصدِقه سوى الفتيات الغبيات،كبُرت
وأنا حُره لا أملك اي شيء أحارب لأجله وجدتُ قلبي
لكني ضللت طريقه في غياهب الظُلمات
التي أحملها بداخلي،كبرت أكثر ولم أهتم لأي شيء
عدا الضحك والشعر ومدونات الفتيات الغبيات،اولئك الذين
إتسعت رِقعة الحب في قلوبهم وسَدت شرياناته فصار
شغلهم الشاغل،كبرت تمدد عقلي وأصبح يشحثني
أكثر يسألني يُفكر ويصرخ في المدى بكامل عجزه من أكون؟
مللت شطر المتنبي المتخايل" الخيل والليل والبيداء تعرفني؟"
من يعرفُني إذ لم أعرف نفسي قبلهم غارت روحي في
سراديب الارض وإنهارت كل أسقُفي التي ظللت عاكفة على
بنائها طوال السنوات الفائته،تسربت معلوماتي الشخصيه
المغلوطه في إيدي الكثير وهذا الذي يُزعجني ويعرقلني
عند كل عتبة أقفزها نحو نفسي التي لا تعرفهم ولا يعرفونها
ولا تريد شيءأخر.
عندما حل الشتاء وإستكانت افئدتي من أعوامها الصعبه
خلعتُ ثِيابهم التي تحميني البرد فحسب ولبست ثياب رثة
ولكنها تحميني منالخوف والجوع.. وقرأت إنغمست في
عالم الكتب وإنتفخت عيناي من تضاريس الأحرف
ظننت أني سأرمم خرابي وأهرب من شقوق الذكريات
وندوب التصورات التي بداخلي عني،والتصورات التي
يطلقونها علي وهي لا تشبهني ابدًا مللت الحياه التي
أعيشها أمامهُم وأخوض معاركها بمعرفة ناقصه لا تكفي
لأن أحمي نفسي وأُدرّعها ضد الحروب القاهره،والحروب
التافهه والحروب التي لا تنتهي بيني وبيني في
كل الاوقات،أخترت خيالي وكُتبي موطن وسبيلا لأن أعيش
حياه لن تُعاش ابدًا إخترت العقل الذي أفكر به بعد
أن تَلوث عقلي الذي بحوزتي من طنينّ أفكارهم لسنوات.
قرأت وعشت بين الكتب شاركتُ شمس والرومي
قصائد العشق الالهي وغزلتها في دربي كنسيج صوفي
أخضرَ اللون،عرفت ماذا يعني الحب إن صار نابعُ من
أعماقك للكون بأسرِه تلذذتُ بأوصاف قونيه وإسطنبول
القديمه وبكيت كثيراً عندما مات شمس بكيت أكثر
على الرومي وقلبه المنفطِر لفراق حبيبه،عشت بين
الروايات وقصص الحب الحقيقيه والخياليه والاسطوريه
فهمت ماذا يعني قولهم مراية الحب عمياء،وماهو وهج الحب
الذي يُضفي لمساته على وجوه المُحبين والعاشقين،قرأت أكثر
صارت القصائد والكتب زادي ووتدي الذي أقف به
شامخه في وجه رياحاتهم العاتيه،إعتزلت الناس رغم قدرتي
أخيرا على مجاراتهم إعتزلتهم وانا أتغنّى بالحب الخاص
الذي عرِفته بنفسي ولم أجد له أثر في الارض رُبما
شكل الحب الذي بحوزتي قديما جدًا لا يناسب العهود
الحديثه او جديدًا لدرجة إنكار الجميع له وعدم
إستساغتهم إياه، تشرّب قلبي بعواطِف ساميه ومتينه
صُقلت شخصيتي وأصبحت رقيقه وواضحه لا تُزيف
الشعور الذي تملكه .
كبرت أكثر صرت أعرفُني بحزن بالغ لما يدور حولي
ويختلج بداخلي من أعاصير وأهازيج مُضنيه أعرف
روحي التي تُحلق في سماءات واسعه تبحث عن
المعنى الحقيقي لكل الاشياء، والملمس الناعم لكل
الأوجه،تبحث عن المعاني الفعليه وليست تلك التي
أختلقوها وصبغو بها أكبر وأبسط التفاصيل.
اليوم كبُرت اكثر،توسعت دائرة الخوف في قلبي بسببهم
فوهَبت نفسي لمحاربتِه والدفاع عن أحلامي التي كم
سلبني إياها وجاهد لأن يمنعني أخوض غمارات
الحياه وشعيباتها،توسعت دائرة الخوف ولكن …
صرت أعرفني ولم يهمني أن يعرفني الاخرون، وضعت
أمنياتي الكثيره على الطاوله سعيت لها وتوانيت أحيانا،
بكيت لأجل ضياعها وبكيت عندما لمستُها بفرحِ غامر،كبرت
صارت الحياه تحمل مفاهيمي الخاصه ونظرتي الحانيه
لكل الأطياف والمتغيرات..صادقت الحب وشعرتُ بِلذته في
كل الظروف في بداياته الملونه ونهاياته الحزينه،عشت
بمأساته في الفقد وفكرة إنسكاب الذكريات من بين
إيدينا وتواريها عن أدمغتنا تشكلت لدي الكثير من
القناعات المختلفه عرِفت أن الوقت لايُشفي ولكِنه
يهبنا جراح جديده تُلهينا عن بُكاء الجراح القديمه،كبرت
أكثر بنيتُ كل العوالِم والاحلام في داخلي لبِنة لبنة ما أن
خرجت في الطريق حتى دهستني سيارة الواقع
وتحطمت .. فارقت الحياه
وأنا أشعر، عندما أسعفوني "ما لقوا في قلبي
الا..امنياتي المستحيله ..واني احـلم بـس احلم .."
تعليقات
إرسال تعليق